المحقق البحراني
268
الكشكول
كلمتان لا يفرق بينهما فقال : يملأ حجر أبي دلامة دراهم ، فقعد فبسط حجره فملأه دراهم وقال له : قم الآن يا أبا دلامة . فقال : ينخرق قميصي يا أمير المؤمنين ، فردها ، إلى الأكياس ثم قام . ومن أخباره أنه أوصى ولده فاستدعى له طبيبا وشرط له جعلا معلوما ، فلما برئ قال له : واللّه ما عندنا شيء نعطيك ولكن ادع على فلان اليهودي وكان ذا مال بمقدار الجعل وأنا وولدي نشهد لك بذلك ، فمضى الطبيب إلى القاضي وادعى على اليهودي بذلك المبلغ فأنكر اليهودي فقال : لي عليك بينة ، فخرج لإحضارهما فأحضر أبو دلامة وولده فدخل المجلس فخاف أبو دلامة أن يطالبه القاضي بالتزكية وأنشد في الدهليز قبل دخوله إعلاما للقاضي بحيث يسمعه : لئن ستروا عيبي سترت عيوبهم * وإن بحثوا عني فعنهم أباحث وإن نبشوا بيري نبشت بيارهم * لتعلم مني كيف تلك النبائش ثم حضرا بين يدي القاضي وأديا الشهادة فقال له القاضي : كلامك وشهادتك مقبولة . ثم غرم القاضي المبلغ المذكور من عنده ومسموع أطلق اليهودي ، وما أمكنه أن يرد شهادتهما خوفا من لسانه . وكان القاضي يومئذ محمد بن عبد اللّه بن أبي ليلى ، وقد قيل عبد اللّه بن شبرمة . حكى أن روح المهلبي كان واليا على البصرة وخرج إلى حرب الجيوش الخراسانية ومعه أبو دلامة زيد بن الجون ، فخرج رجل من صف العدو مبارزا فخرج إليه جماعة من أصحاب روح فقتلهم الفارس واحدا بعد واحد ، فتقدم روح ابن خانم إلى أبي دلامة وأشار عليه أن يبارز الفارس ، فامتنع أبو دلامة فألزمه روح في ذلك فاستعفاه فلم يعفه فأنشد : إني أعوذ بروح أن يقدمني * إلى القتال فتجزى بي بنو أسد إلى المهلب حب الموت إرثكم * ولم أرث قط حب الموت من أحد إن الذنوب من الأعداء أعلمه * مما يفرق بين الروح والجسد فأقسم عليه ليخرجن فقال له : لما ذا تأخذ رزق السلطان ؟ قال : لأقاتل عنه . قال : فما بالك الآن لا تدنو من العدو ؟ قال : أيها الأمير إن جئت إليه لحقت بمن مضى وما الشرط أن أقتل عن السلطان بل أقاتل عنه فحلف روح ليخرجن إليه لتقتله أو تأسره أو تقتل دون ذلك فلما رأى أبو دلامة الجد من روح قال : أيها الأمير اعلم أن هذا اليوم أول أيام الآخرة ولا بدّ من الزوادة ، فأمر له بذلك فأخذ